المنجي بوسنينة

683

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

وغلام زحل ، وأبو بكر القومسي ، وأبو إسحق النصيبي ، ونظيف الرومي ، ووهب بن يعيش . وقد كان هؤلاء العلماء من نوابغ القرن الرابع الهجري ؛ فكل واحد منهم هو فرد في صناعته [ كرد علي ، أمراء البيان ، 528 ] ، وقد امتازت حركتهم الفلسفية بالتنوّع والتسامح والحوار مع الآخر ؛ لذلك « جمعت بينهم كلمة العلم والحكمة . . . كان فيهم المجوسي ، والصابي ، واليعقوبي ، والنسطوري ، والملحد ، والمعتزلي ، والشافعي ، والشيعي » [ م . س ، 528 ] ، وكذلك نجد بينهم اليهودي والمانوي . . . إلخ . ولم يبحث أعضاؤها « إلى حد الآن بحثا دقيقا . . . فما زال البحث فيهم بكرا ويستحقّ كل اهتمام في المستقبل » . وقد كان أبو حيان فعلا من الذين سمعوا دروس يحيى بن عدي وأبي سليمان المنطقي ، ولم يتتلمذ فعلا في الفلسفة إلا سنة 361 ه / 972 م وقد بلغ الخمسين ؛ فكان أقل « الجماعة » تحصيلا للفلسفة ؛ ولعل تأخر دراسته لها حتى سن الخمسين سبّب له بطئا في إدراك العويص من موضوعاتها . وجملة القول في فكر أبي حيان التوحيدي أنه أبدع في التعبير عن أفكار فلاسفة القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي ، وصارت كتبه سجلّات لأفكارهم عن قصد منه أو غير قصد ، إذ بلغ بنا الظن أنه تلاعب بألفاظ الغير أو نسي معاني بعض الألفاظ فحملها على غير المطالب التي قصدوها في العلم الإلهي ، والعلم الطبيعي ، والمنطق ، والنفس ، والأخلاق ، والسياسة من منطلقات الإنسان والجماعة ، في الملّة وغيرها ، وفي الدين ، وفي العقيدة والفقه ، وصلة الإنسان بربه في العبادة والتصوّف ، وإنشاء الكلام في كل قضية اتصلت بالآداب والفنون ، واستخلاصا لها في أفكار تبحث في العلل والمعلولات والحياة والموت ، والوجود والعدم ، والله ، والعالم ، والإنسان ؛ وبالذات من حيث إن الأخير تتحقّق لديه المعرفة بما يملك من عقل وجسد ، وما يصاحب هذا الإنسان من حظ وبخت وصدفة ، وكل ما يقع ضمن أنساق الطبيعة وعالم الغيب . إن أبا حيان أكبر الأدباء الفلاسفة العرب على الإطلاق بعد الجاحظ الذي اعتبر أستاذه في الأسلوب والفكر والمناظرة ؛ فألف كتاب تقريظ الجاحظ ، ووصفه بأنه كان « واحد الدنيا » [ ابن حجر ، لسان الميزان ، 4 / 369 ] . ومن هنا كان ياقوت الحموي على حقّ عندما وصف أبا حيان بأنه « فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة ، فرد الدنيا الذي لا نظير له ذكاء وفطنة ومكنة » [ معجم الأدباء ، 5 / 380 - 381 ] . وخلاصة القول في فلسفة أبي حيان « أنه استطاع أن يعبّر بلغة أدبية عن أعمق المشكلات . . التي كانت تقلق بال الفلاسفة في عصره » [ زكريا إبراهيم ، أبو حيان ، 298 ] حتى بدا لنا كأننا « لأول مرة في تاريخ الأدب العربي ، نشهد فنانا أصيلا ، لا يعجز فنّه عن الاضطلاع بأدق الحقائق الفلسفية وغير الفلسفية ؛ ولكن الفلسفة عند التوحيدي ، حوّلتها مرونة التعبير الأدبي إلى أدب » [ إحسان عباس ، أبو حيان ، 134 ] . والملاحظ على أبي حيان تطلّعه إلى الاتصال بالوزراء والكبراء في الدولة ، وهو بذلك كان